محمد غازي عرابي
864
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
ومعظم الناس عباد صور ، وإن كان فيهم العابد والزاهد والمتوكل والحاج والمصلي ، سأل الحلاج إبراهيم الخواص : فيم أنت الآن ؟ قال أدور في البراري لأصحح مقامي في التوكل ، فقال الحلاج : أفنيت عمرك في عمران باطنك ، فأين الفناء في التوحيد ؟ فما دام الإنسان ينظر إلى الصور ، صور الناس وصور الطبيعة وصور الأسباب ظاهرة وباطنة فهو محجوب ، وهو كله شرك خفي كما قال الشيخ أرسلان الدمشقي ، والتوحيد النفاذ بسلطان كما قال سبحانه : لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ [ الرّحمن : 33 ] ، فإذا نفذ كشف ، وإذا كشف عرف ، وإذا عرف رغب عن عبادة الصور ، كما رغب عنها حبيب النجار الذي قال : وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ، أأتخذ من دونه آلهة ؟ والجنة التي دخلها صاحب ياسين هي سوق الجنة التي ورد ذكرها في الحديث الشريف ، فالصور هنا صارت للّه وباللّه ، وكم يرى الناس في مناماتهم من صور وفي يقظتهم ، وقال الإمام جعفر الصادق : إن اللّه تجلى لعباده في المنام ولكن لا يعبرون ، فالموحد هو الذي عرف ماهية الصور ، ونفذ من الماهية إلى الهوية ، وصار عارفا باللّه ، يقرأ حروف معادلات الصور التي ترتب ترتيبا علميا بحيث يقرؤها العارف المعبر كما يقرأ كتابا ، فيزداد علما إلى علمه ، ونورا إلى نوره ، ويحظى برضى اللّه ، ويقول كما قال حبيب النجار : يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ( 27 ) . [ سورة يس ( 36 ) : آية 28 ] وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ( 28 ) [ يس : 28 ] ليس بعد علم الصور علم آخر ، فاللّه جعل الصور طريقا إلى الجنة ووسيلة لمعرفته سبحانه ، فإذا ظل الإنسان محجوبا بالصور عن ماهية الصور بقي جاهلا يعيش في الجاهلية ، أما من عرف فلقد أوتي ما أوتي أفلاطون الذي كشف حقيقة كهف العالم فخرج منه فارا إلى اللّه . والصور أسماء ، والأسماء خواطر ، والخواطر جنة السماء ، ولهذا كانت جنود اللّه من الملائكة معنا وفينا فاعلين ، فإذا جهل الناس هذه الحقيقة فلن يهتدوا إذا أبدا وعاشوا كالبهم والأنعام بل أضل سبيلا . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 29 إلى 31 ] إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ( 29 ) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 30 ) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 ) [ يس : 29 ، 31 ] الصيحة معجلة ومؤجلة ، أما المعجلة فتأخذ العارفين في الكشف إذ يرون الناس جميعا لدى اللّه محضرين ، لا يستطيعون شيئا وهم به قائمون ، والمؤجلة العودة إلى عالم الذر بعد